
بقلم ـ علي حرب ـ من القضايا الراهنة التي تستثير النقاش العمومي على نطاق واسع، مسألة علاقة الدين ببقية مجالات الحياة وميادين الاجتماع. يشهد على ذلك السجال المحتدم، عربياً وعالمياً، حول ارتداء البرقع وبناء المآذن في أوروبا. والسؤال المركزي في القضية هو: هل بإمكان المسلم الملتزم أن يجمع بين الدين وما عداه، كالدولة والمواطنة والحرية والديمقراطية؟
|
وأنا أقصد بالمسلم الملتزم في هذا السياق، المسلم الأصولي بنوع خاص، وأعني بالأصولي صاحب المنظومة العقائدية والبرنامج السياسي لإعادة بناء المجتمع على أساس تعاليم الشريعة وأحكامها، بحيث يحيا الواحد حياته كما عاشها وصاغها السلف الأول في زمن النبي وصدر الإسلام.
فهل هذا ممكن اليوم؟ هل في وسع المسلم المتشدد أن يكون مسلماً ومواطناً أو مسلماً وديمقراطياً؟ هل في وسعه أن يجمع بين انتمائه الديني وانتمائه الوطني، بحيث يكون مسلماً ومصرياً أو لبنانياً أو فرنسياً أو سويسرياً؟
أنا أميل إلى الجواب على السؤال بالنفي، لأن النموذج الأصولي العقائدي يشتغل أصلاً بمنطق النفي والاستئصال، بقدر ما يتعامل مع هويته كمتراس لشن الحرب على الآخر في الداخل والخارج، بصورة رمزية أو مادية.
طبعاً هناك من يدعي غير ذلك. وأنا قرأت مقال طارق رمضان المسلم السويسري (من أصل مصري) والأستاذ الجامعي، الذي يعرّف نفسه بوصفه مواطناً يحتج على أهل بلده سويسرا، لأنهم اقترعوا بغالبيتهم ضد بناء المآذن على الأرض السويسرية.
ولكن، لو كان طارق رمضان يفكر كجدّه حسن البنّا مؤسس حزب «الإخوان المسلمين»، أو كالمرشد الحالي للإخوان مهدي عاكف، لاستحال عليه أن يكون مسلماً ومواطناً. أليس هذا ما عبّر عنه الشيخ مهدي عاكف، من على الشاشة، بملء فيه دفاعاً عن مبدأ الخلافة؛ إذ هو عندما سُئل إذا كانت الخلافة تعني أن يحكم مصر أُناس من خارجها، قال قوله المشهور، ومفاده أن الخلافة هي عنده أولى من الدول والأوطان.
هذا بخصوص المواطنة، وأما بخصوص الحرية، فإن المسلمين الأصوليين يطالبون بها لأنفسهم فقط، ومنعها عن غيرهم. فهم، وعلى سبيل المثال، مع حرية المسلمة في ارتداء الحجاب في أوروبا، ولكنهم ضد حرية المرأة التي لا ترغب في ارتداء الحجاب، في البلاد الإسلامية التي تقع تحت قبضتهم، أكانت مسلمة أم غير مسلمة.
هكذا هم مع إلغاء الحريات، حيث أمكنهم ذلك، لأن شعارهم الأصلي هو الحاكمية الإلهية أو الحكومة الإسلامية، ولأنهم يمارسون السلطة بعقلية التهمة والإدانة. ولا غرابة، فمن يفكر بعقل أحادي، اصطفائي، مغلق، يعتبر نفسه الأحق والأصدق والأفضل. ولذا، فهو لا يعترف بحقوق الآخرين، إلا على سبيل الالتفاف والمداورة والخداع، أو على سبيل التساهل الذي يبنى على الانتقاص من شأن الغير وكرامته.
من هنا لا مصداقية ولا مشروعية للأصوليين الإسلاميين، من دعاة وساسة ومنظمات، في ما يطالبون به أوروبا من احترام حقوقهم والسماح لهم بممارسة فرائضهم بحرية، لأنهم لا يعترفون، أصلاً، بحقوق بعضهم البعض، في بلدانهم الأصلية، كما تشهد الفتن المذهبية وحروب الجوامع والمراقد، في غير بلدٍ عربي. فكيف يعترفون بحقوق الفرنسي أو السويسري أو الأوروبي عامة؟ الأرجح أنهم لو حكموا لأطاحوا بكل المكتسبات الحديثة.
ومن المعلوم أن الكنيسة في أوروبا، سيما في فرنسا، لم تعد هي المشروعية المهيمنة أو الأولى، بعد ثورة 1789، وبعد تجريدها من وصايتها القانونية على المجتمع عام 1905، بل أصبحت إحدى المشروعيات المجتمعية لا غير. وإذا كان المسلم الأصولي الأوروبي يتعامل مع إسلامه بوصفه المشروعية الأولى والعليا، فمعنى ذلك أنه لن يندمج أو يتكيّف مع مجتمعه الجديد، مقدماً بذلك الولاء للإسلام والشريعة والفتوى، على الولاء للوطن والجمهورية والقوانين والشراكة الوطنية.
لا يعني ذلك أن على المسلم الأوروبي أن يتجرد من تراثه وهويته الثقافية، وإنما يعني أنه ليس في وسعه أن ينغلق على ثوابته، إذ المُجدي والحيوي أن يتفاعل مع بيئته الجديدة على سبيل التحويل الخلاّق والإثراء المتبادل، فيغني ثقافته ويسهم في صناعة الحياة في البلد الذي ينتقل إليه.
وإلا ما الداعي لأن يهجر بلده الأصلي نحو بلدٍ أوروبي، لو لم يجد في هذا الأخير ما ينفعه أو يجذبه ويغريه من القيَم وأنماط العيش وأساليب المعاملة؟ وهذا ما يفعله مسلمون كثر في أوروبا، ممن ينفتحون على الآخر والحدث والعالم، لكي يمارسوا هويتهم بوصفها متعددة الأبعاد، وعلى نحو يتيح التوليف البنّاء بين الإرث الديني والتجديد الحداثي، أو بين الهوية الوطنية والمدى العالمي.
وهذا أيضاً شأن المسلم الذي يعيش في البلاد العربية: يستحيل عليه أن يواجه المتغيرات والتحديات بعقلية تقليدية تراثية، بدعوى المماهاة مع الأصول. فهو سوف يتغيّر لا محالة، إما بصورة سلبية كما يفعل أصحاب العقليات الأصولية المغلقة؛ أو بصورة إيجابية وبناءة، راهنة وعالمية، كما يفعل ذوو الهويات المرنة والمفتوحة. وهؤلاء يمارسون عالميتهم، ليس رجوعاً إلى الوراء، على أساس نظام الخلافة، بل بالمساهمة في صناعة الحياة المعاصرة على أساس مبادئ المواطنة ومفاهيم الحداثة وقواعد الشراكة الكونية.
أخلص من ذلك إلى القول إن ممارسة الدين بوصفه أسلمة شاملة للحياة، بمختلف وجوهها ودوائرها وأنشطتها، مآله تقويض الحريات، وابتلاع المؤمن للمواطن، وتحويل الجماعات الدينية إلى ألغام موقوتة داخل المجتمعات، فضلاً عن المآزق التي تقود إليها المشاريع الأصولية.
الأجدى إعادة الأمور إلى نصابها، بالتعامل مع الدين كمجال من مجالات الحياة، كمشروعية بين مشروعيات عديدة، كفاعلية تشترك مع بقية القوى والفاعليات في أعمال الإصلاح والتحديث والإنماء.
بهذا المعنى لا يجري التعامل مع الدين كحكومة أو دولة أو نظام سياسي أو برنامج اقتصادي، ولا حتى كهوية ثقافية، وإنما يعامل كرصيد خلقي أو كرأسمال رمزي، يحمل الواحد على ممارسة التقى في علاقته بسواه، بحيث يمكنه الانخراط في بناء حياة مشتركة مع نظرائه، بصورة سويةٍ، متوازنة، مدنية، سلمية، آمنة، وسط كل هذا الفحش في العنف والاستهلاك والنهب والتبديد للثروات والموارد.
* نقلا عن "البيان" الإماراتية |